تداولية اللغة بين الدلالية و السياق





تداولية اللغة بين الدلالية و السياق

عالجنا في هذا المقال مفهوم التداوليّة (البراقماتية) ، فحاولنا تأصيله معرفيّا وتاريخيّا معا . و قد عوّلنا في ذلك على جملة من الكتابات النظرية الأوروبيّة و الأمريكيّة عن هذا الحقل ، منها كتابات موريس و مالينوفسكي. و قد حاولنا أن نعرف أوّل من استعمل هذا المفهوم في العربيّة، أثناء القرن العشرين، فلم نعرفه. كما استخلصنا أنّ هذا المفهوم هو من إجراءات القراءة التحليليّة السيميائيّة للمَلافظ التي هي الوحدات الصغرى للنص ، أو للخطاب . و لم نعدم تثمين أعمال العالم الأنتروبولوجي البريطاني مالينوفسكي إذ إليه يعود الفضل في تأسيس الوظيفة التداوليّة القائمة في المجتمعات البدائيّة ( بالتناقض مع الوظيفة المرجعيّة التي كانت تجري في اهتمامات اللسانيّانيين) . فهو الذي أثار مسألتين مركزيتين في التحليل التداولي : الأولى ، فاعليّة ( او انجازية) بعض الأفعال في اللغة المستعملة ، والأخرى ، مسألة المرجعيّة التي لا تزال تثير كثيرا من النقاش ، و لعلّ أهم ما تخرج به نظريّة التداوليّة التطبيقيّة في تحليل الخطاب هو مفهوم "المسكوت عنه".
 لم يتم استعمال التداولية ، من حيث هو معنى عام ، في الثقافة اللاتينية ، قبل سنة 1438 للميلاد . ويعود في أصله الأجنبي إلى اللغتين الإغريقيّة ( Pragmatikos ) ، واللاتينيّة بالمعنى القانونية ( Pragmatika anctio ) . ولهذا المفهوم في الثقافة الغربية عدة استعمالات : قانونية - وهو الاستعمال الأصل فيما يبدو ـ ثم فلسفيّة ، ومنطقيّة ، ورياضيّاتيّة ، ثم أخيرا لسانياتية ( دلالية ) ، وبلاغية ( سياقيّة ) ، وسيمانيّة ( تأويلية ) .
 وقد زعم شارل موريس ، لأول مرة عام 1938 أن " التعريفات الكلاسيكية للسمات تحتوي مرجعيّة ثابتة للمؤول والتأويل . وإن البلاغة الإغريقيّة ، واللاتينيّة ، وكل النظرية اللسانياتيّة للسفسطائيين يمكن الإقرار بها أشكال تداولية للخطاب " . ولقد نشأ هذا المفهوم في أمريكا الشمالية أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين . ويعود الفضل في تاسيسه إلى شارل بيرس ( 1839 - 1914 ) ، وذلك بين 1865 و 1872 . وقد عرض بيرس فكرة مفهوم التداولية أو البراغماتية بلغتها الأصليّة - على بعض أصدقائه ، وكان من بينهم ويليام جيمس . وقد نشر بيرس من بعد ذلك مقالة مما ورد فيها أن نعتبر : ما التاثيرات العمليّة التي نعتقد أن موضوع تصورنا هو الذي ينتجها ؟ إن تصور كل هذه النتائج هو التصور التام للموضوع . وجاء من بعده جيمس ويليام فطبق هذا المبدأ البيرسي أولا على الديانة ، ثم على الفلسفة ، وذلك سنة 1898 ، قبل أن يحوله إلى نظرية للحقيقة ، سنة 1906 . وإنا ، بكل أسف ، لا ندري من اصطنع من اللغويين العرب المعاصرين هذا المفهوم لأول مرة في اللغة العربية ، أثناء القرن العشرين ، نقلا عن أصحابه من المفكرين الأمريكيين ؟ ولا كيف اهتدى السبيل إلى إطلاق هذا الاستعمال الذي يدل من الوجهة المعجمية على التعاور على شيء وأخذه بالدولة بحيث يقع التداول عليه : مرة يأخذه هذا من ذاك ، ومرة ياخذه ذاك من هذا . . . ويُستعمل هذا التركيب اللغوي في العاميات العربية بوجه صحيح إلى يومنا هذا . . .
الكلمات المفتاحية
تداوليّة  مَلفظ  سياق   خطاب مرجعيّة  انجازيّة الأفعال  مسكوت عنه .
رابط المقال 


هناك تعليق واحد: