القائمة الرئيسية

الصفحات

النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري pdf


وقد جمعت الأشعار التي تندرج تحت هذا الموضوع ، منذ أقدم شاعر بداني وحتى عصر شكسبير ، من أصقاع و عروق مختلفة كل الاختلاف ، كما يقولون  درست هذه الأشعار دراسة مقاربة التهت إلى نتيجة مذهلة وهي وجود تشابه كبير فيما بينها . إنه تشابه بلغ حد التشابه بين قصيدتين في موضوع واحد كتبهما شاعر واحد . وعندما اكتشفت الواح أوغاريت في الشاطئ السوري عثر على قصائد يتساوى فيها اقدم شاعر اوغاريتي مع احدث شاعر سوري ( طبعاً إذا كان الموضوع واحدا ) . وفي بلاد الرافدين لوحظ أن عبثية كامو ويونسكو وسواهما ، لا تزيد عن عبثية بعض النصوص التي عرجت عليها الألواح السومرية . وإن سفر الجامعة " ليس أكثر من توسيع لما جاء في ملحمة كلكاميش ، كلمحة عجلي وعابرة حول هذا العمر الذي يتبخر ويتبدل من غيران يترك اثرا يذكر بعده . وسواء عزونا هذا التماثل الذي يكاد يقع فيما يشبه التكرار أحيانا ، إلى العامل الاجتماعي أو إلى العامل النفسي ، أو حتى إلى المزاج و الطباع الذاتية المتشابهة ، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل " النظام الأدبي " الذي انتجته المخيلة البشرية .
 إن هذه النصوص لم تختر من مجتمعات او نفوس او امزجة متقاربة بالمعنى السطحي الذي يجعلنا نقول أن شاعرين مختلفين بالمزاج هما مختلفان حتما في الموضوع الشعري الواحد . إن الانطواني يختلف عن الانبساطي اختلافا تعكسه النصوص هنا وهناك ، ولكنهما لا يختلفان إلى حد أن الأول ( وليكن بدائيا ) يشبه الوجه الجميل بالقمر ، بينما الثاني ( وليكن معاصرنا من القرن العشرين حيث ظهر القمر على حقيقته ) يشبه الوجه القبيح بالقمر . فمهما حاولنا اللجوء إلى تفسير التشابه بالوضع الاجتماعي المتماثل او النفسي أو المزاجي ، فإن ذلك لا يعفينا من الإقرار بوجود نظام ادبي وطيد وراسخ ، بل ونقول انه نظام صارم ، منذ القديم القديم ، قد يفسر الوضع الاجتماعي او الجغرافي أو الظروف العامة أوجه الاختلاف أكثر مما يفسر أوجه الائتلاف ، كأن نلجا إلى هذه الظروف في تفسير ظهور المسرحية عند اليونان وليس عند غيرهم ، لكن هذه الظروف لا تسعفنا في تفسير التشابه في أغاني الزفاف - مثلا - التي تكاد تكون واحدة منذ ايام سافر وحتى أيام سيد درويش ، بل حتى اي اغنية زفاف في ايامنا هذه العروس في هذه الأغاني يجب أن تكون جميلة الوجه والقوام ولو كانت تنفر منها الضبع ، تتمختر بدقة و غنج ولو كانت مشيتها كمشية جندي في صفوف الصاعقة النازية ، تحوطها الورود والرياحين ولو زفت من دون زينة ، وهي رقيقة انيسة اليقة ولو كانت شرسة كل مرة شكسبير لكن هذا لا يعلي الفصال النظام الأدبي عن المجتمع والنفس والمزاج ، لأن النظام الأدبي يمثل " ما يجب أن يكون " . ولهذا يتساوى مجتمعان متغايران في اغاني الزفاف ، لأن هذه الأغاني يجب أن تكون كما يريد النظام الأدبي الذي يقر به هذان المجتمعان المتغايران ، أو على فرض أنهما متغايران . ومن هنا نقول أن المجتمعات تميل إلى التشابه والتماثل في النظام الأدبي لأن هذا النظام هو عرف اجتماعي ونفسي ومزاجي مهما كانت المجتمعات والنفوس والأمزجة متباينة ومختلفة . إنه اشبه بعقد ، كعقد جان جاك روسو . وحتى الشاعر المناهض للزفاف سوف ينخرط في تيار النظام الأدبي فينظم وفق متطلباته . لسنا بصدد عرض نظرية النقد الأسطوري في النظام الأدبي ودراسة فروع الأدب المختلفة ومدي خضوعها لهذا النظام ، ولكننا نشير إلى قانون عام وشامل وهو تقصي الظاهرة الأدبية من خلال تستها الخاص القائم على نظام خاص . وهذا النظام الخاص لأي ظاهرة لم يهبط من السماء ، بل ظهر من الوجود البشري ذاته . فلو أخذنا أي لعبة رياضية كالملاكمة والمصارعة ورمي القرص  البشري ذاته . 
فلو اخذنا أي لعبة رياضية كالملاكمة والمصارعة ورمي القرص وقذف السهم . . لوجدنا انها تخضع لنظام . صحيح أن هذا النظام ظهر من المجتمع ، ولكنه لا يتاثر بظروف المجتمع وتقلباته . 
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات