القائمة الرئيسية

الصفحات

تحميل كتاب قضايا ابستمولوجية في اللسانيات pdf

 القضايا التي طرحتها الفلسفة اليونانية ثم العربية بعد ذلك لم يكن من بينها في جوهرها السؤال عن مالك الكون وعن بدايته وغايته ومقداره أو عن مصيره . كانت تلك الفلسفة في أساسها تمثيلية أو مثالية أو تصويرية تصورية . الألفاظ هنالك تتعادل . لا فرق بين التصور والتصوير . كل متصور مصور وكل مصور منصور خلافا لرينان الذي زين له أن يميز بين الشعوب المائلة إلى التصوير والشعوب المائلة إلى التصور . يمكن أن يقال إن التجربة المدنية الحالية هي أول تجربة ابتعدت جزئيا عن السقوط في حماة التصوير . جزئيا في جانبها التكنولوجي الذي هو في حقيقته اطلاع خيري عن المادة وخصائصها والصلات بين أنواعها . لكن ينبغي أن يقال إن أول من قام في وجه التفكير التصوري التمثيلي الذي ارتفع شأنه في الحضارات القديمة كلها ودعا إلى المعرفة الخيرية برتبها هو محمد بن عبد الله القرشي . لم يقم أحد قبله في الجيل البشري الحالي بمناهضة العلم المزيف الذي وجد أبين صورة له في جانب كبير من العلم الأرسطي والأفلاطون و الأفلوطيي . وانتظر الناس قروناً إلى أن انتفضت في الغرب جماعة عليه في صورته اليونانية واليسوعية وفتحت بابا للمعرفة الحبرية و كان التفاضا جزئيا إذ لم تمح أبدا من الشارع المعرفي ملامح الفكر التصوري التمثالي . وبما أن موقفه العلمي امتزج بإظهار الكتاب - الأصل وصاحب سيطرة الفكر التصوري فإن الفوائد العلمية التي كان للبشرية أن تستخلصها من تعاليمه سيد الطريق إليها أمران :
 الأول : عجز أهل المعرفة في عهده وبعده عن معرفة مقاصده المعرفية وعن الاستفادة المعرفية من الكتاب - الأصل الذي أظهره . وهو عجز سببه آثار السيطرة الطويلة للفكر التصوري التمثالي على النفوس .
والثاني : س يطرة جماعات سياسية واجتماعية على حق تفسير الكتاب - الأصل وإنتاج تفاسير له منتمية إلى مذاهب مختلفة ولكنها متفقة على العمى عن جوهره المعرفي .
إن التمثيل له أشكال فقد يكون في الرخام والحجر وقد برز من الرومان واليونان نحاتون مهرة مازالت آثارهم معلومة إلى عهدنا وقد يكون في غير ذلك . قد تكون مادته الفكر نفسه . في الحالة الأولى نجد أصلا وفرعا . الأصل هو فلان أو فلان من البشر أو الحيوان أو غير ذلك والفرع هو الأثر الفني . أما في الحالة الثانية فأمامنا فرع هو الصورة التي يقدمها الفيلسوف عن الكائن مطلقا أو عن الكائن اللغوي أو عن الكائن الجسمي وليس أمامنا أصل مستقل منفصل . أمامنا أصل مبني كما يقولون اليوم أو متخيل كما ينبغي أن يقال . بالنسبة إلى الكائن اللغوي الذي هو موضوع اللسانيات والذي يجعلها مرتبطة عن استحقاق بالخطاب الفلسفي في معناه العلمي لا المدرسي الإداري ، بالنسبة إليه نجده يقدم مثالا بليغا عما سقناه هنا . اللغة التي يدرسها اللساني كائن لغوي لا يتمتع بالكون  او الوجود إلا حكم من اللغوي نفسه أي محكم نظري . بلغة أخرى : تفرض النظرية القيام الكوني للكائن اللغوي المدعو عندها باللغة ثم تقييم تحاليلها عليه . ما الحقيقة هي أن العالم فيه متكلمون وليس فيه لغة أصلا . فيه متكلمون ذوو مقدار من العمر والكلام والمشي والنوم الخ . فيه متكلمون نشاطهم لا ينحصر في الكلام ولكنه يمتد إلى أمور  أخرى .





ليس في العالم متكلم لا شغل له إلا الكلام . أما في النظرية اللغوية المعاصرة والقديمة التي تفرض قياما كونيا  انطولوجيا ، إن شئنا لكائن نظري هو اللغة فإن الأصول العامة التي تقترحها هي - إن صحت - أصول كلام متكلم لا شغل له إلا الكلام . هذا يبين إلى أي درجة تبتعد النظرية اللغوية والفلسفية عموما عن واقع الأشياء . تبتعد لأنها تصنع تماثيل النشاط مادي اسمه الكون الكلامي في خ صوص اللغويين أو اسمه الكون مطلقا عند الفلاسفة أو اسمه الكون التاريخي عند فلاسفة التاريخ الخ . التماثيل تفرض حضور ممثل ساكن . لا يستطيع التحات اليوناني أن يرسم في المرمر صورة رجل عداء . لا بد أن يوقفه ولو استطاع أن يوقف نفسه لكان خيرا لجودة النحت والتصوير . أما النشاط الكلامي فليس ساكتا ولا حاضرا . إنما ابري اللساني شاشاته التي هي المتكلمون ذوو الأنشطة المختلفة او المنخرطون في قصصهم وقصة العالم التي منها قصتهم . هل يستطيع أحد أن يعرف علم الأفلام وما وراءها من أموال ومرافق وعقود وتقنيات وعلوم بمجرد النظر إلى شريط ؟ الجواب معروف .




هل اعجبك الموضوع :