القائمة الرئيسية

الصفحات

الإيقاع والتركيب في لغة الشعر


الإيقاع والتركيب في لغة الشعر
محمد القاسمي
تهدف هذه المداخلة إلى المساهمة في إبراز حوار التركيب والإيقاع في الشعر العربي باعتباره يمثل أهم المواقع الأساسية التي تشير مباشرة إلى جوهر العمل الفني. محاولا في الوقت نفسه رصد أنماطه ومستوياته تحققه. وسنعتمد في تأصيل هذه الظاهرة الأسلوبية على المنجز النقدي العربي، مسترشدين بتصورات الشعرية اللسانية ومتطلبات الدرس النقدي الحديث. وسنقتصر في رصد حوار التركيب والإيقاع على ظاهرة تجاوز الدلالة لحدود القافية، أي ما يعرف بالتضمين.
ونشير في البداية إلى أن التضمين ورد في الدراسات النقدية القديمة بدلالات مختلفة تدور في مجملها على دلالتين اثنتين: دلالة عروضية وأخرى بلاغية. والمقصود بالدلالة العروضية: "أن ينبني بيت على كلام يكون معناه في بيت يتلوه من بعده مقتضيا له"(2) أما الدلالة البلاغية المرتبطة بالدلالة اللغوية للتضمين فهي: "استعارتك الأنصاف والأبيات من غيرك وإدخالك إياه في أثناء أبيات قصيدتك"(3).
لن تهتم الدراسة إلا بالدلالة الأولى للتضمين، أي الدلالة العروضية ويبدو من التحديد السابق أن التضمين هو تجاوز المعنى لحدود البيت ولذلك فإن الحديث عنه يرد عند القدماء في إطار عيوب القافية أو في سياقات أخرى كما عند قدامة بن جعفر مثلا إذ ورد التضمين في إطار "عيوب ائتلاف المعنى والوزن" وخصه بمصطلح متميز هو "المبتور" وهو "أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه في القافية ويتمه في البيت الثاني"(4).
إن قدامة يرى القافية ينبغي أن تتوج البناء الصوتي، وأن تعلن في الوقت نفسه عن نهاية المعنى لضمان توافق تام بين التركيب والإيقاع، أما في حالة التعارض بين الوقفة الدلالية والوقفة العروضية بحيث يتجاوز التركيب حدوده المرسومة بالإيقاع فإن ذلك يدل، حسب قدامة على ضعف الشاعرية وعلامة على التقصير، وهو الموقف الذي هيمن على الشعرية العربية والشعرية الكلاسيكية بصفة عامة.
وإذا حاولنا البحث عن الأسباب التي أدت بالعروضيين إلى تعييب هذه الظاهرة الأسلوبية نجد أنها تدور في الغالب حول ثلاثة عوامل أساسية هي:

1 ـ شدة التعلق بين البيتين عبر الفصل بين مكونات الجملة.

2 ـ موقف الشعرية العربية القديمة من مفهوم البيت باعتباره وحدة مستقلة دلاليا ونحويا.

وتظهر هذه العوامل الثلاثة بشكل بارز في النماذج الشعرية التي مثل بها جل النقاد، ومنها قول النابغة الذبياني:

وهم وردوا الجفار على تميــــــم وهم أصحاب يوم عكــــــــاظ إني

شهدت لهم مواطن صادقــــــات شهدت لهم بحسن الظن منــــــي

فالتضمين في هذين البيتين تحقق من خلال التعارض القائم بين الوقفة الدلاليةوالوقفة العروضية، حيث إن المعنى تجاوز حدود البيت المرسوم بالقافية، ولم ينته إلا في البيت الثاني. فقافية البيت الأول "إني" مكونة نحويا من إن واسمها، وأما خبرها فلم يرد إلا في صدر البيت الثاني، وهو الجملة الفعلية. "شهدت لهم مواطن" مما أدى إلى شدة الماسك بين البيتين نحويا ودلاليا. أما إذا خفت حدة التعلق بين البيتين، بسبب من الأسباب، كضعف الصلة النحوية، كأن يكون البيت الثاني محتاجا إليه لتكميل المعنى فقط كالتفسير والنعت وغيره من بقية التوابع كالجار والمجرور والاستثناء والبدل والتوكيد والعطف، فإن جل الشعريين العرب لا يعتبرون هذا النوع من التضمين عيبا، ومن هؤلاء ابن رشيق الذي يقول: "وربما حالت بين بيتي التضمين أبيات كثيرة بقدر ما يتسع الكلام و ينبسط الشاعر في المعاني ولا يضره إذا أجاد"(5).

ولمعرفة مدى إلحاح البلاغة القديمة على الملائمة بين الإيقاع والتركيب أو التوازن بين القطيع النظمي والتمفصل الدلالي يكفي العودة إلى المؤلفات النقدية التي أعارت هذه المسألة اهتماما كبيرا، ومنها نقد الشعر لقدامة بن جعفر الذي وضع ظواهر أسلوبية متعددة كالحشو والتتميم والاعتراض هروبا من التضمين عامة والتضمين الخارجي خاصة.

ويلاحظ أن البلاغة القديمةاهتمت بالعلاقة بين التركيب والإيقاع على مستوى تجاور الأبيات وقامت برصد أنماط هذه العلاقة ومستوياتها النحوية المختلفة ولم تهتم بطبيعة العلاقة بين التقطيع والتمفصل داخل البيت إلا ناذرا، فباستثناء تجربة أبي العباس الثعلب النقدية فإننا لا نجد حديثا ذا قيمة عن هذه القضية.

والمقصود بالتضمين الخارجي هو اختراق التركيب لحدود النظم أو بعبارة هانري موريي "إنه إجراء إيقاعي يقوم على التعارض بين الوحدة التركيبية ووحدة البيت، أي أن الجملة تتجاوز القافية وتنتهي في إحدى مقاطع البيت المجاور"(6).

وكما سبقت الإشارة فإن الشعرية القديمة قد اهتمت بالتضمين الخارجي وهي بصدد الحديث مرة عن عيوب القافية ومرة أخرى عن عيوب ائتلاف المعنى والوزن وحددت أنماطا مختلفة تبعا لطبيعة الحوار بين الإيقاع والتركيب ودرجة التعلق بين الأبيات المتجاورة . وأهم تلك الأنماط تضمين الاقتضاء وتضمين الافتقار.



1 ـ تضمين الاقتضاء:

يقول صاحب الموشح معلقا على قول امرئ القيس:

وتعرف فيه من أبيه شمائـــلا ومن خاله ومن يزيد ومن حجر

سماحة، وبر ذا وفــــــــاء ذا ونائلا ذا، إذا صحا وإذا سكــر

"فليس هذا بمعيب عندهم، وإن كان مضمنا لأن التضمين لم يحلل قافية البيت الأول… وقد يجوز أن يوقف عن البيت الأول من بيتي امرئ القيس وهذا عند نقاد الشعر يسمى الاقتضاء أن يكون في الأول اقتضاء للثاني، وفي الثاني افتقار إلى الأول"(7).

ويستفاد من هذا النص النقدي أن العلاقة النحوية بين طرفي تضمين الاقتضاء ضعيفة إذ إن الأول يقتضي الثاني فقط، فالطرف الأول قائم بذاته ومستغن عن الطرف الثاني، وإذا عدنا إلى المثال الذي قدمه صاحب الموشح لتضمين الاقتضاء للاحظنا أن العلاقة بين البيتين هي علاقة توضيحية وتفسيرية، فقوله سماحة وبر ووفاء ونائلا هي مجرد صفات يمكن الاستغناء عنها في فهم دلالة البيت الأول، لأن العلاقة بين الطرفين ضعيفة نحويا ودلاليا. أما بالنسبة للبيت الثاني فإن الأمر مختلف، فإذا تم فصله عن البيت الأول فستبقى تلك الصفات بدون موصوف وبذلك يختل المعنى.

2 ـ تضمين الإسناد:

يتميز هذا النوع من التضمين بالتماسك الدلالي والنحوي بين الأبيات المتجاورة حيث يتعذر فهم أحد الطرفين بمعزل عن الآخر. ويبدو أن أول من تحدث عن هذا النوع من التضمين هو قدامة بن جفعر وهو بصدد الحديث عن عيوب "ائتلاف المعنى والوزن" وسماه المبتور أي أن التركيب يقوم ببتر النظم. ولم يقيض لمصطلح قدامة الاستمرار طويلا وظل مفهوم تضمين الإسناد مهيمنا على البلاغة العربية.

وإذا كان تضمين الاقتضاء مستساغا عند جل البلاغيين فإن تضمين الإسناد "أو الافتقار" هو النوع المعيب عندهم نظرا لقوة الارتباط بين الوحدات النحوية للأبيات المتجاورة. ويلاحظ أن بن الأثير يستسيغ تضمين الإسناد خلافا لباقي النقاد والبلاغيين حيث يقول: "وهو عندي غير معيب، لأنه إذا كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني فليس ذلك يوجب عيبا.. ولو كان عيبا لما ورد في كتاب الله عز وجل"(8).

ويلاحظ أن بن الأثير لم يحاول أن يقدم علة جمالية لموقفه واكتفى بالإشارة إلى أن تضمين الإسناد وارد في القرآن الكريم.

ويستفاد من تتبع النماذج المختلفة لتضمين الإسناد الواردة في كتب النقد والبلاغة أن التركيب يتجاوز النظم بشكل صارخ ويفصل بين عناصر نحوية شديدة التماسك، حيث يفصل مثلا بين الفعل والمفعول به وبين المبتدأ والخبر وبين التوكيد والمؤكد وغيرها من المقولات النحوية التي تشكل عمدة الكلام ومن صور هذا النوع قول أبي تمام:

وإذا رأيت أبا يزيد في نــــــدى و وغى ومبدئ غارة ومعيـــــدا

يقري مرجيه مشاشة مالــــــــه وشبا الأسنة ثغرة وريــــــــــدا

أيقنت أن من السماحة شجاعة تدمي وأن من الشجاعة جـــودا

يلاحظ أن التضمين تحقق في هذه الأبيات الثلاثة من خلال تجاور التركيب لحدود القافية وذلك على مستوى بنية الجملة الشرطية، فالبيت الأول مصدر أدوات التركيب الشرطي وهي "إذا" في حين أن فعل الشرط المكون من فعلين يمتد في بيتين وهما "رأيت" في البيت الأول و "يقري" في بداية البيت الثاني، أما فعل جواب شرط "أيقنت" فلم يرد إلا في بداية الثالث منفصلا عن المركب الإسمي: "أبا زيد" بيت تام يتضمن أحد مكوني فعل الشرط وهو "يقري" الشيء الذي سمح بامتداد هذه الظاهرة الأسلوبية في البلاغة القديمة والشعرية الكلاسيكية بصفة عامة، عكس الشعرية الحديثة التي ترى في اختراق الجملة لحدود البيت وسيلة من وسائل إنتاج الأدبية ونتيجة أسلوبية يلجأ إليها الشاعر لتحقيق أغراض أسلوبية محددة. ومن هنا فإن التوتر القائم بين الدلالة والنظم يختلف إليها سياق فني وثقافي إلى آخر، فما يعتبر في مرحلة أدبية عيبا وضعفا، يشكل في سياق أدبي وفني آخر مصدرا للقوة والشاعرية.

وهناك نوع ثالث من التضمين ورد بشكل خاص عند بن سينان الخفاجي وهو تضمين المجاز.

3 ـ تضمين المجاز:

لم يحظ هذا النوع من التضمين باهتمام كبير في البلاغة القديمة، وربما يعود السبب إلى قلة اطراد هذه الظاهرة الأسلوبية في الإبداع الشعري القديم. تضمين المجاز على بتر الوحدة الدلالية، فهو ليس بترا نحويا، في أي مستوى من مستوياته، بل هو بتر للوحدة المعجمية نفسها، إذ تنتصب القافية وسط الكلمة فتشطرها شطرين(9). ويبدو أن بن سينان الخفاجي هو الذي تحدث عن هذه الظاهرة الأسلوبية معتمدا على كلام للمبرد، ويحددها بقوله: "ومن عيوب القافية أن لا ينتهي المعنى في لفظة القافية حتى يكون تاما في البيت الثاني"(10).

إن تضمين المجاز أو الإدماج أو الإدماج على حد تعبير الدكتور محمد العمري هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه خرق التركيب لحدود الجملة إذ يمس مباشرة عنصرا حيويا في البيت وهو القافية حيث تخرق الوقفة التركيبية الوقفة العروضية، فتشطر القافية إلى شطرين، الأول في نهاية البيت الأول والثاني في بداية البيت الثاني.

ورغم أهمية هذه الإشارة الأسلوبية التي انتبه إليها بن سينان الخفاجي فإنها لم تطرد في البلاغة القديمة، ولذلك بقي تضمين الاقتضاء والإسناد مسيطرين على الشعرية العربية، مع تفاوت كبير بين الشعراء في توظيف هذه الظاهرة الأسلوبية.

وخلاصة القول إن البلاغة العربية حرصت على التوازن بين الوقفة التركيبية والوقفة العروضية وعملت على تلافي التضمين بكل أنماطه ومستوياته النحوية المختلفة أما الشعراء فلم يلتزموا بهذه القاعدة، وعملوا على التكثيف من التوتر بين التركيب والإيقاع.

التضمين في الشعرية الحديثة:

يتفق جل الشعريين المعاصرين على أن التضمين تقنية شعرية كاشفة، وواحدة من أهم القيم الجمالية في لغة الشعر. وتعتبر محاولة كوهن ومازليغا وموريي وفاركا من أهم المحاولات في هذا الصدد. وسنقتصر هنا على محاولة جان كوهن في كتابه بنية اللغة الشعرية نظرا لأهميتها وقابليتها للتعميم فهو ينطلق من مسلمة أساسية يتفق فيها مع كثير من الشعريين المعاصرين وهي أن "اللانحوية هي الخاصية الوحيدة الموجودة في النظم المطرد والحر معا"(11). فالفاعلية الشعرية تتحدد بدرجة التوتر والصراع بين الوقفة التركيبية والوقفة العروضية مؤكدا أنه "عندما يتعارض العروض والتركيب، يكون الفوز دائما للعروض ويجب على الجملة أن تخضع لمقتضياته"(12).

ويلاحظ كوهن أن الشعر يتجه عبر مراحل تطوره نحو مبدأ اللانحوية، إلى درجة يمكن تصنيف الشعراء والمدارس الأدبية تبعا لهذا المبدأ. فالكلاسيكية احترمت التماسك النحوي بين الأبيات المتجاورة إلا في حالات قليلة، ولم تختلف الرومانسية عن الكلاسيكية كثيرا، فعلى الرغم من فصلها بين وحدات شديدة التماسك فإنها تشكل مع الكلاسيكية عائلتين متجانستين(13). أما الرمزية فقد استغلت بشكل بارز هذه الظاهرة الأسلوبية ولم تتحرج من الفصل بين وحدات شديدة التماسك نحويا ودلاليا. إن كوهن يسعى من خلال دراسته إلى تأكيد حقيقة أساسية وهي أن تجاوز التركيب لحدود القافية يشكل تقنية شعرية وجوهر العمل الفني، عكس الشعرية الكلاسيكية التي تلح على ضرورة الملائمة بين الإيقاع والتركيب.

إن عمل كوهن يتميز بالجدة والطرافة لأنه سمح لنا بالكشف عن ظاهرة أسلوبية ظلت مهملة في شعرنا العربي، وبرأها من تهمة العيب التي وصفت بها لمدة طويلة. ورغم هذه النتيجة الأسلوبية التي وصل إليها كوهن، فإن حديثه عن التوتر بين التركيب والإيقاع عام بحيث لم يهتم برصد أنماطه وأغراضه الأسلوبية المختلفة. ويمكن اعتبار محاولة موريي من أنضج المحاولات في هذا الصدد وسنحاول رصد الصراع بين التركيب والإيقاع في الشعر العربي باعتباره تقنية شعرية وجوهر العمل الفني، مسترشدين بإنجازات الشعرية اللسانية كما صاغها جان كوهن والشعرية البلاغية عند هنري موريي. وسنقتصر في تتبع هذه الظاهرة على شعر أبي تمام الذي يشكل أولى الخطوات في الحداثة العربية. وتجدر الإشارة إلى أن الشعر العربي قبل هذه المرحلة يميل إلى الملاءمة بين الوقفة التركيبية والوقفة العروضية حيث وصلت نسبة التوتر بين المستويين عند طرفة بن العبد مثلا إلى 0%.

وإذا انتقلنا إلى أبي تمام وجدنا التوتر يتحقق في شعره بشكل لافت للنظر، حيث وصل في الجزء الأول من ديوانه إلى (18 مرة) موزعة على المستويات الآتية: الفصل بين جملة الشرط وجملة جواب الشرط (10 مرات) والتعلق بالعطف أو (3 مرات) والتعلق بالفصل بين الفعل والمفعول به (5مرات).

وقبل الوقوف على أنماط التوتر الخارجي في شعر أبي تمام تنبغي الإشارة إلى ملاحظتين تميزان أشكال التعارض بين التركيب والإيقاع:

1 ـ عدم اشتراك القافية مباشرة في التوتر الخارجي بين التركيب والإيقاع.

2 ـ شدة التعلق بين البيتين والأبيات المتجاورة بحيث لا يمكن استغناء أحد الطرفين عن الآخر وهذا يعني تضمين الإسناد أو الافتقار على أشكال التعارض في شعره.

وسأقتصر هنا على نمط واحد من أنماط التوتر الخارجي عند أبي تمام وهو الفصل بين فعل الشرط وجوابه.

الفصل بين فعل الشرط وجوابه:

يحتل التوتر بين التركيب والإيقاع عبر البنية الشرطية موقعا متميزا في لغة الشعر عند أبي تمام. ويلاحظ أن الفصل بين فعل الشرط وجوابه يحتل مكانة الصدارة، حيث تكرر (18 مرة) موزعة على الشكل الآتي: التعلق بإذا (5 مرات) والتعلق بلما (3مرات) والتعلق بلو مرة واحدة وأخيرا التعلق بإن مرة واحدة.

ومن نماذج الفصل بين طرفي البنية الشرطية مصدرة بإذا قول أبي تمام:

حتى إذا أخذ الفراق بقسطـه منهم وشط بهم عن الأحباب

ورأوا بلاد الله قد لفظتهـــــم أكنافها رجعوا إلى جـــواب

إن التوتر في هذين البيتين تحقق من خلال الفصل بين طرفي البنية الشرطية حيث إن فعل جواب الشرط رجعوا لم يرد إلا في نهاية البيت الثاني أما فعل الشرط فموزع على ثلاثة مواقع مختلفة أخذ في الشطر الأول وشط في شطره الثاني ثم رأوا في بداية الثاني مع اختلاف في العلاقات الإسنادية. وهذا يعني أن المعنى ظل مسترسلا إلى نهاية البيت الثاني مما جعل التوتر يصل إلى أقصاه في هذين البيتين.

ولكن هل يمكن التسليم بأن أبا تمام لم يجد حيلة أسلوبية لتلاف التضمين في هذين البيتين؟ الواقع أن أبا تمام أحسن بحاجة أسلوبية ودلالية عمد من خلالها إلى تأخير فعل جواب الشرط رجعوا، فكما يقول موريي: "فلغرض أسلوبي صرف تقدم الكلمة المرغوب في إبرازها أو تؤخرها عن القافية التي تفصل بينها وبين المجموع التركيبي الذي ينتمي إليه"(14). ومن هنا فإن لجوء أبي تمام إلى ظاهرة التضمين في البيتين السابقين له ما يسوغه، ذلك أن إيقاع التوتر على فعل رجعوا قد تم لغرض أسلوبي صرف يفسره البيت الذي قبل البيتين السابقين وهو:

والجعفريون استقلت ضعنهم عن قومهم وهم نجوم كلاب

إن أبا تمام أحس بضرورة وقوع التضمين على فعل رجعوا لأن الجعفريين أصيبوا بالخيبة بسبب ألم الفراق والابتعاد عن الأحباب والارتحال عن البلاد، فلم يبق أمامهم إلا الرجوع إلى جواب الكلابي. ومن جهة أخرى يلاحظ شدة التعلق بين البيتين السابقين حيث لا يمكن فهم معنى البيت الأول إلا بقراءة تامة للبيت الثاني، فالبيت الأول يقتضي البيت الثاني وهذا الأخير يفتقر إلى الأول.

وقد يتجاوز التضمين حدود البيتين عبر امتداد المعنى إلى البيت الثالث كقول أبي تمام:

وإذا رأيت أبا يزيد في نــــــدى و وغى ومبدئ غارة ومعيــــدا

يقري مرجيه مشاشة مالــــــــه وشبا الأسنة ثغرة ووريـــــــدا

أيقنت أن من السماح شجاعـــة تدمي وأن من الشجاعة جـودا

إن التضمين تحقق في هذه الأبيات الثلاثة بالفصل بين فعل الشرط وفعل جوابه. ويلاحظ أن عملية التعلق لم تتحقق بتأخير فعل جواب الشرط (أيقنت) فحسب بل إن فعل الشرط يمتد في بيتين وهما رأيت في البيت الأول (يقري) وهذا ما سمح بتعلق مضاعف جعل المعنى يمتد إلى البيت الثالث. ومن جهة أخرى إن تأخير فعل جواب الشرط (أيقنت) قد تم لغرض أسلوبي صرف وهو إبراز شهامة الممدوح الذي يبالغ في العطاء وقت الشدة فهذا النوع يمكن إدراجه حسب مفهوم موريي بتضمين الشهامة Engembement de fierté ●
.......................................................................
المراجع

1 ـ تحليل الخطاب الشعري: محمد العمري، الطبعة الأولى، 1990، الدار العالمية للكتاب النجاح الجديدة الدار البيضاء.

2 ـ تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، ابن أبي الأصبع المصري، تقديم وتحقيق د.حفني محمد شرف، الجمهورية العربية المتحدة. د-ت.

3 ـ بنية اللغة الشعرية، جان كوهن، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، ط:1، 1986.

4 ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، لأبي الحسن بن رشيق القيرواني، تحقيق محي الدين عبد الحميد، دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت لبنان، ط:5، 1981.

5 ـ سر الفصاحة: ابن سنان الخفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط:1، 1982.

6 ـ كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر:،أبو هلال العسكري، تحقيق مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، 1981.

7 ـ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، صيدا، بيروت 1990.

8 ـ الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء: المرزباني أبو عبيد الله محمد، المطبعة السلفية، القاهرة 1343.

9 ـ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق محمد عبده عزام، دار المعارف، ط:5.

10 - MORIER. Henri, Dictionnaire de la poétique et de la Rhétorique, P.U.F, 1982.

الهوامش

1 ـ ألقيت هذه المداخلة في ندوة "شعرية الخطاب الأدبي" التي نظمتها شعبة اللغة العربية وآدابها، بكلية الآداب سايس فاس.

2 ـ الموشح، ص 23

3 ـ الصناعتين: ص 36، تحرير التحبير، ص 140.

4 ـ نقد الشعر، ص 209.

5 ـ العمدة، ص 1/172.

6 - Dictionnaire de poètique et de rhétorique, p. 416.

7 ـ الموشح، ص 40-41.

8 ـ المثل السائر، 2/324

9 ـ تحليل الخطاب الشعري، 238.

10 ـ سر الفصاحة، 186.

11 ـ بنية اللغة الشعرية، ص 68

12 ـ نفسه، ص 58

13 ـ نفسه، ص 66.

14 - Morier, p. 416.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات