التركيب اللغوي للأدب بحث في فلسفة اللغة والاستطيقا pdf
وما بذلك تُصحح الأوهام وتسدد الغايات ، والعلم تحقيق لا تلفيق كتلفيق حاطب الليل ، يخالف بين عبد القاهر وكروتشه ، أو بينه وبين سوسير ، فيضع قبعة هذا على رأس ذاك ، ويثبت عمامة ذاك على رأس هذا ، ويقول الأول : كن كروتشه ، وللثاني : وأنت ، كن عبد القاهر . وتحقيق لا كتحقيق الذين يسوّدون صحائف بيضاء كانت من قبل صفراء ، أو يتولونها بالتنقيح والتهذيب والتيسير ، وكل ما يدخل في هذا الباب من مسكنات توضع في قراطيس ، تبدي شيئاً ، وتخفي أشياء .
وإنما هو الفعل الذي عرّفه القوم بأنه إثبات المسألة بدليل ، فهذه سبيل المعرفة التي هيأ الله البشر لتلقيها ؛ والتناقض في سياقة الحقائق وإثباتها شيء تعافه الفطرة ، ويلفظه النظر السليم ، وللإنسان قوة يميز ابها الخبيث من الطيب ، وفيه إدراك يحس معه وجود العلم البديهي الذي يهدي إلى الحق ، وينأى به عن الباطل ، ولديه وعي يسدده إلى الخير ، ويبث فيه سكينة ، إن كانت لا ترقى إلى سكينة عمر فيما قاله عبد الله بن مسعود : و كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر ، فإنها سكينة على أي حال ، لأنها من شأن الإنسان و علوم اللغة والأدب في العربية قد أصابها من الجمود والتحجر ما أصاب سواها من علوم الثقافة الإسلامية ، حتى عجزت عن الوفاء بما تقتضيه القيم الروحية للعصر الذي تغمرنا آياته . وليس بالقليل ما بلغته البشرية من تقدم في العلوم الإنسانية ، بل هو يعدل في روعته ماتجنيه من ثمرات العبقرية التي حملت الإنسان إلى أجواز من الفضاء يجاور النجوم ، ويطاً القمر بقدميه ، ويأخذ حفنة من ترابه . . والعجب ممن يستجيزون لأنفسهم الاستراوح إلى مشاهد التليفزيون من معالم الحياة في بقاع نائية من الأرض ، وهم جالسون في مكانهم لا يبرحونه ، ثم إذا قيل لهم :
إن تعلم النحو لم يعد يعول فيه على مثل المقولات التي تعولون عليها ، والشواهد الشاذة على طريقة الأقدمين ، وعلم الأدب لم يعد يغنيه إجراء التشبيه والاستعارة ، والإلمام بكلام قدامة وابن رشيق ، قالوا : العربية وعلومها من واد آخر ، ولا يجرى عليها ما يجري على سواها من علوم الأمم الأخرى ونظرياتها ؛ وإنما مثل هؤلاء كمثل من يترك طبيب الأسنان ويذهب إلى حلاق القرية ليخلع له ضرسه من غير تخدير ، وما نحسبهم يرضون بذلك ويحتملون آلامه !
تحميل كتاب التركيب اللغوي للأدب بحث في فلسفة اللغة والاستطيقا pdf
تحميل pdf
تعليقات
إرسال تعليق